السيد كمال الحيدري
269
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
وسطاً بين انطباع وفكرة ، وقد تفقد تلك الحيوية فقداناً تاماً فتغدو فكرة خالصة . والملَكة التي نستعيد بها انطباعاتنا على المنوال الأول هي الذاكرة ، والأخرى التي نستعيدها بها على المنوال الثاني هي الخيال . فأفكار الذاكرة تختلف عن أفكار الخيال في قوّتها وحيويّتها ، كما تختلف عنها أيضاً في أنها نُسخ حرفية للانطباعات التي ولّدتها ومطابقة لها في حين أن الخيال حرٌ طليق . ولكن حرية الخيال ليست بمعنى قدرته على إنشاء أفكار جديدة بدون انطباعات سابقة ، لأنّ كلّ فكرة لا توجد في إدراكنا إلا نتيجة انطباع ، ولكن الخيال حرٌّ في التصرّف بذلك العدد الكبير من الأفكار الناتجة عن الانطباعات ، فيفصل ويؤلّف فيما بينها مكوّناً الصور والأوضاع التي تروق له . وهناك علاقات تنشأ عادة بين تلك الأفكار الناتجة عن الانطباعات ولنسمّها بالأفكار البسيطة تجعل الذهن ينتقل بيسر من فكرة إلى فكرة نتيجة لارتباط إحداهما مع الأخرى بعلاقة من تلك العلاقات ، وهذا ما يسمّى بالتداعي . وتلك العلاقات التي تؤدّي إلى التداعي وانتقال الذهن من فكرة إلى أخرى هي التشابه والتجاور في الزمان والمكان والعلّة والمعلول . وعلاقة العلّة والمعلول هي أهمّ تلك العلاقات لأنها تمتاز عن العلاقتين الأخريين بأنها لا تقع إلا على حدّ واحد فتنتقل منه إلى حدّ آخر ، أو بعبارة أخرى : تثير بوقوفها على الحدّ الأول التفكير في الحدّ الثاني . فمثلًا إذا رأينا الماء على النار فسوف تثير علاقة العلّية في ذهننا فكرة حرارة ذلك الماء رغم أننا لا نملك أيّ انطباع عن تلك الحرارة وإنما نملك انطباعاً عن حدّ واحد أي عن أحد طرفي علاقة العلّة